الشيخ محمد هادي معرفة

424

تلخيص التمهيد

السبب الأقوى لوقوع التشابه في تعبيرات القرآن بالذات ، كما مرّ من مسألة الأمر بين الأمرين ، وغيرها من مسائل كلامية غامضة تبحث عن شؤون المبدأ تعالى والمعاد ، ومسائل شؤون الخليقة وما انطوت عليه من أسرار وغوامض خافية على غالبية الناس . مثلًا قوله تعالى : « وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » « 1 » تعبيرٌ رمزيّ عن شأن الإنسان - بصورة عامَّة - في الأرض ، إنّه ذلك الموجود العجيب الَّذي يملك في ذاته قدرة جبّارة يضيق عنها الفضاء وتخضع لها قوى الأرض والسماء « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » « 2 » . كلّ ذلك بفضل نبوغه واستعداده الخارق الَّذي يمنحه القدرة على الخلق والإبداع ، على أثر تفكيره وجهاده في الوصول إلى درجة الكمال ، وليتمثّل مظهريَّته تعالى ، فهو الموجود النموذجي لمظهرية ذي الجلال والإكرام ، ومن ثمَّ كان خليفته في الأرض يومذاك ليصبح خليفته في عالم الوجود إطلاقاً . لم تكن العرب تستطيع إدراك هكذا تصوّر عن الإنسان ، ولا كان يخطر ببالها أنَّ لهذا الإنسان شأناً في عالم الوجود ، سوى أنَّه الموجود الضعيف الذي تتألَّب عليه الضواري ، ولا يقتات إلّاعلى لحوم بني جلدته سلباً ونهباً وإراقةً للدماء والفساد في الأرض . ومن ثمَّ لما جاء التعبير عن شأن آدم بهذا التعبير - ممّا ينمّ عن عظمة وإكبار - حسبوه « المتصرّف في الأرض » عن جانب اللَّه القابع في زاوية السماء ، أو فسَّروه - كما في عصر متأخِّر - بأنَّه الخلف عن مخلوق كان قبل آدم ، الجنّ أو النسناس . وهكذا الانجذاب بالآية يمنةً ويسرة ، ما دام لم يعرفوا من حقيقة الإنسان ولا أدركوا من شأنه الخطير . * * * وهكذا جاء التعبير المجازي في آيتين لا تختلفان من حيث الأداء والتعبير ، غير أنّ إحداهما لمّا كانت تعبِّر عن معنى هو فوق مستوى العامَّة حصل فيها التَّشابه ، أمّا الأخرى

--> ( 1 ) البقرة : 30 . ( 2 ) الجاثية : 13 .